السيد محمد تقي المدرسي
60
من هدى القرآن
ب - عَلِمَتْ للتأكيد على أن القضية يقين وليست مجرد تخمين ، أما قوله : نَفْسٌ فلأن النفس مركز الشعور والإحساس ، فهو أبلغ مما لو قال : علم الإنسان ، وإذا قلنا : رأت العين كان أبلغ مما لو قلنا : رأى الإنسان . وقوله : مَا أَحْضَرَتْ ذروة البلاغة . أولسنا نعمل ونكدح حتى نحضر شيئا لذلك اليوم الموعود ، كما يدرس التلميذ ليوم الامتحان ، ويتدرب الرياضي ليوم المباراة ، ويستعد الجيش ليوم الحرب ، وهكذا البشر يكدحون ليوم لقاء الله ، حيث يقول ربنا : يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ [ الانشقاق : 6 ] . [ 15 ] قسما بالنجوم التي تختفي وتظهر ، وبالليل حيث يخيم ظلامه ، وبالصبح حين يبسط نوره على الأفق . . إن القرآن وحي الله الذي أنزله جبرائيل على الرسول الكريم . هذه الحقائق تتواصل في جو تلك الصورة المؤثرة لتكون أبلغ أثرا ، وأعظم وقعا . فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ إن القسم يهدف إلقاء ظلال من العظمة على الموضوع ، وسوف يحقق هذا الهدف نفيه أو إثباته لدى الحكيم ، وقد يكون نفي القسم يوحي بأهمية ما يحلف به مما يبالغ في العظمة ، ولذلك قال المفسرون : إن [ لا ] هنا زائدة . والأقرب أن فَلا ليست بزائدة ، حيث تكون لا أقسم لعدم الحاجة للقسم ، فهو بمعنى القسم ، أو لتأكيد معنى القسم . أليس معناه التهويل ؟ فإذا نفي القسم دل على عظمة ذلك الشيء الذي يتحرز المتحدث عن القسم به ، وهذا أشد وقعا في النفس ، فما هو الخنس ؟ قالوا : خَنُس بالضم خنوسا : تأخر ، وأخنسه غيره : إذا خلفه ومضى عنه . [ 16 ] الْجَوَارِي الْكُنَّسِ والجوار جمع جارية ، والكنس جمع الكناس أي الغيَّب . وروي عن الإمام علي عليه السلام : [ هِيَ النُّجُومُ تَخْنِسُ بِالنَّهَارِ وَتَظْهَرُ اللَّيْلَ ، وَتَكْنِسُ في وَقْتِ غُرُوبِهَا ] « 1 » ، وروي عنه عليه السلام : [ هِيَ الكَوَاكِبُ الخَمْسَةُ الدَّرَارِي : زُحَلُ وَالمُشْتَرِي وَعُطَارِدُ وَالمَرِّيْخُ وَالزُّهْرَةُ ] « 2 » . وقيل : المراد من بِالْخُنَّسِ البقر الوحش ، والْكُنَّسِ الظباء . وكما ذكر في اللغة : أن كلمة بِالْخُنَّسِ تشابه معنى الْكُنَّسِ وربما يفترقان في المعنى قليلا ، وأورد الرازي الفرق بين الخنس والكنس فقال : روي عن علي عليه السلام وعطاء ومقاتل وقتادة : أنها هي جميع الكواكب ، وخنوسها عبارة عن غيبوبتها عن البصر في النهار ، وكنوسها عبارة عن ظهورها للبصر في الليل ، أي تظهر في أماكنها كالوحش في كنسها « 3 » . ويبدو لي أن الفرق : أن هناك نجوما وكواكب ثابتة على مدار السنة ، وهناك نجوم وكواكب فصلية ربما تبقى ليلة أو حتى جزءاً من ليلة أو فصل كامل . ولكن من ظاهر الآيتين : أن قوله : الْجَوَارِي الْكُنَّسِ تفسير للخنس ، فعلى
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 237 . ( 2 ) تفسير القرطبي : ج 19 ، ص 236 . ( 3 ) التفسير الكبير : ج 31 ، ص 71 .